محمد متولي الشعراوي

9427

تفسير الشعراوي

والحق تبارك وتعالى لا يُكلِّفك بافعل كذا ولا تفعل كذا ، إلا إذا خلقك صالحاً للفعل ولعدم الفعل ، هذا في أمور التكليف وما عداه أمور قَهْرية لا اختيارَ لك فيها هي القدريات . لذلك نقول للذين أَلِفُوا التمرد وتعوَّدوا الخروج على أحكام الله في التكليفات : لماذا لا تتَمردوا أيضاً على القدريات ما دُمْتم قد أَلِفْتم المخالفة ؟ إذن : أنت مقهور وعَبْد رَغماً عنك . لذلك ، إذا كان المختار طائعاً يلزم نفسه بمنهج ربه ، بل ويتنازل عن اختياره لاختيار الله ، فمنزلته عند الله كبيرة ، وهي أفضل من المَلَك ، لأن المَلك يطيع وهو مرغم . ومن هنا يأتي الفرْق بين عباد وعبيد ، فالكل في القهر عبيد ، لكن العباد هم الذين تركوا اختيارهم لاختيار ربهم . ومن هنا نقول : إن إبليس من الجن ، وليس من الملائكة ؛ لأنه أُمِر فامتنع فعُوقِب ، وإنْ كان الأمر في الأصل للملائكة . وقد حسم القرآن هذه القضية حين قال : { إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } [ الكهف : 50 ] وهذا نصٌّ صريح لا جدالَ حوله . فإنْ قُلْتَ : فلماذا شمله الأمر بالسجود ، وهو ليس مَلَكاً ؟ نقول : لأن إبليس قبل هذا الأمر كان طائعاً ، وقد شهد عملية خَلْق آدم ، وكان يُدْعَي « طاووس الملائكة » لأنه ألزم نفسه في الأمور الاختيارية ففاق بذلك الملائكة ، وصار يزهو عليهم ويجلس في مجلسهم ، فلما جاء الأمر للملائكة بالسجود لآدم شمله الأمر ولزمه من ناحيتين :